ابن حزم
1052
الاحكام
فهذا هو قولنا ، والنص بعينه لم نزل عنه ، وإما ألا يكون هنالك نص آخر ولا إجماع يبين بأحدهما مراد الله عز وجل من ذلك - فهذا إشكال وتلبيس ، تعالى الله عن ذلك ، ولا يحل لاحد أن ينسب هذا إلى شئ من دين الله تعالى ، الذي قد بينه غاية البيان رسوله صلى الله عليه وسلم . فإن قالوا : إن التشابه بين الأدلة هو أحد الأدلة على مراد الله تعالى . قيل لهم : هذه دعوى تحتاج إلى دليل يصححها ، وما كان هكذا فهو باطل بإجماع ، ولا سبيل إلى وجود نص ولا إجماع يصحح هذه الدعوى ، ولا فرق بينها وبين من جعل قول إنسان من العلماء بعينه دليلا على مراد الله تعالى في تلك المسألة ، وكل هذا باطل وافتراء على الله تعالى . وأيضا فإنهم في التشابه الموجب للحكم مختلفون ، فبعضهم يجعل صفة ما علة لذلك الحكم ، وبعضهم يمنع من ذلك ويأتي بعلة أخرى ، وهذا كله تحكم بلا دليل . وقد صحح بعضهم العلة بطردها في معلولاتها ، وهذا تخليط تام ، لان الطرد إنما يصح بعد صحة العلة ، لان الطرد إنما هو فرع يوجبه صحة العلة ، وإلا فهو باطل ومن المحال ألا يصح الأصل إلا بصحة الفروع . وأيضا فإنهم إذا اختلفوا في طرد تلك العلة ، فليس من طردها ليصححها بأولى ممن لم يطردها ليبطلها وطرد غيرها ، وهذا كله تحكم في الدين لا يجوز ، وذلك نحو طرد الشافعي علة الاكل في الربا ، ومنع أبي حنيفة ومالك من ذلك ، وطرد أبي حنيفة علة الوزن والكيل ، ومنع مالك والشافعي من ذلك ، وطرد مالك علة الادخار والاكل ، ومنع أبي حنيفة والشافعي من ذلك . فإن قالوا : فأرونا جمع النوازل منصوصا عليها . قلنا لو عجزنا عن ذلك لما كان عجزنا حجة على الله تعالى ، ولا على رسوله صلى الله عليه وسلم إذ لم ندع لكم - الواحد فالواحد منه - الإحاطة بجميع السنن ، لكن حسبنا أننا نقطع بأن الله تعالى بين لنا كل ما يقع من أحكام الدين إلى يوم القيامة ، فكيف ونحن نأتيكم بنص واحد فيه كل نازلة وقعت أو تقع إلى يوم القيامة ، وهو الخبر الصحيح الذي ذكرناه قبل بإسناده وهو قوله صلى الله عليه وسلم : دعوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على